اسماعيل بن محمد القونوي
287
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
فيما أمكن ولم يقوله وهنا مستحيل قطعا والحاصل استعمال لولا في مثل هذا مجاز وفي الجامي فكأنها من حيث المعنى للتحضيض على فعل مثل ما فات انتهى ولا يجري هذا هنا فلا جرم أنها خارجة عن حقيقتها . قوله : ( من جملة المقول تقريرا لكونه كذبا ) أي من مقول المؤمنين قوله تقريرا لكونه كذبا فيكون تأكيدا معنى ولذا ترك العطف وهذا يدل على ما قلنا من أن حرف التحضيض هنا مجاز ويحتمل أن يكون من قول اللّه تعالى ابتداء ولا التباس لظهور كونه من اللّه تعالى لأن قوله تعالى : فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا [ النور : 13 ] الآية يلائمه إذ الجزم بأنهم عند اللّه هم الكاذبون لا يناسب المؤمنين وإن صح في الجملة لمن علم حكم اللّه تعالى . قوله : ( فإن ما لا حجة عليه مكذب عند اللّه أي في حكمه ولذلك رتب الحد عليه ) أي في حكمه أي كلمة عند هنا مستعار لحكمه وقد يستعمل في علمه تعالى لكن لا يحسن بل لا يصح هنا إذ الحكم لما كان عاما للصديقة وغيرها ولا ريب في أن القاذف قد يكون صادقا وقد يكون كاذبا فعند عجزه عن إتيان أربعة شهداء لا يظهر كونه كاذبا في علم اللّه تعالى على إطلاقه بل في حكم اللّه تعالى وهو كونه كاذبا بحيث يترتب عليه الحد سواء كان كاذبا في نفس الأمر وفي علمه تعالى أولا وعن هذا قال المص ولذا رتب الحد ولو خص بالصديقة أم المؤمنين لكان المعنى هم الكاذبون في علم اللّه « 1 » تعالى وفي حكمه لكن خصوص السبب لا ينافي عموم الحكم كما ثبت في الأصول والمراد أنه يحكم عليه شرعا بأن خبره لا يطابق الواقع وهذا لا ينافي مطابقته للواقع في الواقع فلا يلزم إثبات معنى ثالث للكذب كذا قاله السعدي وفيه أنه لما كان مطابقا للواقع كان من إفراد الصدق فإطلاق الكذب على الحكم الذي يكون مطابقا للواقع في نفس الأمر وغير مطابق للواقع شرعا قوله : من جملة المقول أي قوله عز من قائل : لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ [ النور : 13 ] الآية من جملة مقول قالوا في قالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ [ النور : 12 ] والمعنى كان ينبغي أن يقول المؤمنون حين سمعوا ذلك الإفك أن يقولوا هذا القول فلو لا في لولا جاؤوا أيضا كلمة تحضيض بمعنى هلا أي هؤلاء الإفكون هلا جاؤوا بأربعة شهداء إن كانوا صادقين في إفكهم ذلك . قوله : فإن ما لا حجة عليه فكذب عند اللّه أي في حكمه أي أن ما لا حجة عليه فهو عند اللّه في حكم الكذب وإن كان صادقا في نفس الأمر فكيف إذا لم يكن صادقا . قوله : ولذلك رتب عليه الحد أي ولكون ما لا حجة عليه في حكم الكذب رتب عليه الحد حيث قال والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم وهذا مبني على أن يكون المراد بالعذاب العذاب الدنيوي الذي هو الجلد لا العذاب الأخروي الذي هو المجازاة بالنار .
--> ( 1 ) وتقييد علم اللّه تعالى حينئذ بوقت انتفاء اتيانهم بالشهداء لا يخلو عن كدر لأن تعلق علمه تعالى بإفكهم بأنه سيوجد قديم وبأنه وقع الآن حادث لكن وقت صدوره عنهم لا وقت انتفاء اتيانهم بالشهداء وقياسه على قوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً ليس بتام فتأمل .